سليمان بن موسى الكلاعي
155
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
على تعبئته حتى إذا أدرك القوم والتقوا فاقتتلوا ساعة ، ثم رزق الله عكرمة عليهم الظفر ، فهزمهم وأكثر فيهم القتل ، وخرجوا منهزمين راجعين إلى لقيط بن مالك ، فأخبروه أن جمع عكرمة مقبل إليهم ، وأنهم لا طاقة لهم بهم ، وفقدوا من أصحابهم بشرا كثيرا ، منهم من قتل ومنهم من أسره عكرمة أسرا . فلما انتهوا إلى لقيط مفلولين قوى حذيفة بن اليمان بمن معه من المسلمين ، فناهضهم وناوشهم ، وجاء عكرمة في أصحابه ، فقاتل معهم ، فأصابوا منهم مائة أو نحوها في المعركة ، ثم انهزموا حتى دخلوا مدينة دبا « 1 » ، فتحصنوا فيها ، وحصرهم المسلمون في حصنهم شهرا أو نحوه ، وشق عليهم الحصار ، إذ لم يكونوا أخدوا له أهبته ، فأرسلوا إلى حذيفة رجلا منهم يسألونه الصلح ، فقال : لا إلا أن أخيرهم بين حرب مجلية أو سلم مخزية ، قالوا : أما الحرب المجلية فقد عرفناها ، فما السلم المخزية ؟ . قال : تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، وأن ما أخذنا منكم فهو لنا وأن ما أخذتموه منا فهو رد علينا ، وأنا على حق وأنكم على باطل وكفر ونحكم فيكم بما رأينا ، فأقروا بذلك ، فقال : اخرجوا عن مدينتكم عزلا لا سلاح معكم ، ففعلوا ، فدخل المسلمون حصنهم ، فقال حذيفة : إني قد حكمت فيكم : أن أقتل أشرافكم ، وأسبى ذراريكم . فقتل من أشرافهم مائة رجل ، وسبى ذراريهم ، وقدم حذيفة بسبيهم إلى المدينة وهم ثلاثمائة من المقاتلة ، وأربعمائة من الذرية والنساء ، وأقام عكرمة بدبا عاملا عليها لأبى بكر ، فلما قدم حذيفة بسبيهم المدينة ، اختلف فيهم المسلمون ، فكان زيد بن ثابت يحدث أن أبا بكر أنزلهم دار رملة بنت الحارث ، وهو يريد أن يقتل من بقي من المقاتلة . فكان من كلام عمر له : يا خليفة رسول الله ، قوم مؤمنون إنما شحوا على أموالهم ، والقوم يقولون : والله ما رجعنا عن الإسلام ، ولكن شححنا على أموالنا ، فيأبى أبو بكر أن يدعهم بهذا القول ، ولم يزالوا موقفين في دار رملة بنت الحارث ، حتى توفى أبو بكر رضي الله عنه ، وولى عمر ، فدعاهم ، فقال : قد كان من رأيي يوم قدم بكم على أبى بكر أن يطلقكم ، وقد أفضى إلى الأمر ، فانطلقوا إلى أي البلاد شئتم ، فأنتم قوم أحرار لا فدية عليكم ، فخرجوا حتى نزلوا البصرة ، وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب ، وهو غلام يومئذ ، فكان ممن نزل البصرة .
--> ( 1 ) دبا : مثل عصا ، موضع بظهر الحيرة ، ودبا فيما بين عمان والبحرين . انظر : الروض المعطار ( 232 ) .